محمد بن جرير الطبري
238
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
اما بعد ، فانى اخبر الأمير اصلحه الله انى خرجت فيمن قبلي من الجند الذي وجهني إلى عدوه ، وقد كنت حفظت عهد الأمير إلى فيهم ورايه ، فكنت اخرج إليهم إذا رايت الفرصة ، واحبس الناس عنهم إذا خشيت الورطة ، فلم أزل كذلك ، ولقد أرادني العدو بكل ريده فلم يصب منى غره ، حتى قدم على سعيد بن مجالد رحمة الله عليه ، ولقد امرته بالتؤده ، ونهيته عن العجله ، وامرته الا يقاتلهم الا في جماعه الناس عامه فعصاني ، وتعجل إليهم في الخيل ، فأشهدت عليه أهل المصرين انى بريء من رايه الذي رأى ، وانى لا اهوى ما صنع فمضى فأصيب تجاوز الله عنه ، ودفع الناس إلى ، فنزلت ودعوتهم إلى ، ورفعت لهم رايتي ، وقاتلت حتى صرعت ، فحملني أصحابي من بين القتلى ، فما أفقت الا وانا على أيديهم على راس ميل من المعركة ، فانا اليوم بالمدائن في جراحه قد يموت الرجل من دونها ويعافى من مثلها فليسأل الأمير اصلحه الله عن نصيحتي له ولجنده ، وعن مكايدتى عدوه ، وعن موقفي يوم الباس ، فإنه يستبين له عند ذلك انى قد صدقته ونصحت له والسلام . فكتب اليه الحجاج : اما بعد ، فقد أتاني كتابك وقرأته ، وفهمت كل ما ذكرت فيه ، وقد صدقتك في كل ما وصفت به نفسك من نصيحتك لاميرك ، وحيطتك على أهل مصرك ، وشدتك على عدوك ، وقد فهمت ما ذكرت من امر سعيد وعجلته إلى عدوه ، فقد رضيت عجلته وتؤدتك ، فاما عجلته فإنها أفضت به إلى الجنة ، واما تؤدتك فإنها لم تدع الفرصة إذا أمكنت ، وترك الفرصة إذا لم تمكن حزم ، وقد أصبت وأحسنت البلاء ، واجرت ، وأنت عندي من أهل السمع والطاعة والنصيحة ، وقد اشخصت إليك حيان